قطب الدين الراوندي
387
منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة
ثم ذكر أنه تعالى الخالق للأشياء على سبيل الانشاء والابتداء بلا عزيمة ولا تجربة ولا معين ولا مشير « فتم خلق اللَّه » لما أراد خلقه وانقاد لطاعته . وهذا أيضا على مذاق ما تقدم آنفا من إجابة المخلوقات لدعوته ، على معنى أنه على طريق التسخير والالجاء ، فأما إذا أراد ايجاد شيء من العدم إلى الوجود فقد حصل بلا ريب ولا ابطاء . والأناة : السكون . والمتلكىء : المتأخر ، وتلكأ في الشيء : تباطأ . ثم ذكر أنه تعالى لما خلق الحيوانات واحتاجت إلى أشياء هيأ الأسباب لها ، وأقام أودها واعوجاجها ، ونهج جددها ، أي في جددها ، يعني طرق لهم في الأرض الصلبة ، وهي أوضح لها . وروي « ونهج حدودها » . ثم وصف ما ركب اللَّه في الأبدان من الحرارة والبرودة والرطوبة واليبوسة ، مع أنها متضادة ، فجمعها على وفق المصلحة ، وكان تعالى قادرا على أن يجعله حيا من غير جمعها فيه ، إلا أن اللطف يتعلق بكونها مجموعة له . وجعل أعضاءها موصولة كل قرينة إلى مثلها ، ثم فرق تلك القرائن ، وهي أجناس مختلفة على ما فصله . ثم قال « بدايا خلائق » أي هذه بدايا خلائق ، وأضاف بدايا إلى خلائق ، أو يكون بدايا بدلا من قوله « أجناسا » و « خلائق » عطف البيان و « بدايا » وزنه فعايل ، وهي الخليقة المبدوء بها ، نحو الخطيئة والخطايا . وروي : « بدأها خلائق » أي لما خلق الحيوانات فرقها أجناسا مختلفة في حدودها من الملائكة والجن والإنس والوحوش والطيور وغير ذلك من الحيوانات ، وجعل هيئاتها وغرائزها وطبائعها ( 1 ) وأقدارها مختلفة ، فأحكمها كما أراد وابتدأ خلقها أول مرة على ما شاء .
--> ( 1 ) في م : طباعها .